أحمد بن محمد المقري التلمساني
60
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
على فصله ، وشهدت ألسن خلاله ، برفعة جلاله ، وظهرت دلائل سعادته ، في بدء كلّ أمر وإعادته ، لمّا صرف وجهه إلى ترشيحه ، لافتراع هضاب « 1 » المجد البعيد المدى وتوشيحه ، بالصبر والحلم والباس والندى ، وأرهف منه سيفا من سيوف اللّه تعالى لضرب هام العدا ، وأطلعه في سماء الملك بدر هدى ، لمن راح وغدا ، وأخذه بالآداب التي تقيم من النفوس أودا « 2 » ، وتبذر في اليوم فتجني غدا ، ورقاه في رتب المعالي طورا فطورا ، ترقي النبات ورقا ونورا ، ليجده بحول اللّه تعالى يدا باطشة بأعدائه ، ولسانا مجيبا عند ندائه ، وطرازا على حلّة علائه ، وغماما من غمائم آلائه « 3 » ، وكوكبا وهّاجا بسمائه ، وعقد له لواء الجهاد على الكتيبة الأندلسية من جنده ، قبل أن ينتقل عن مهده ، وظلّله بجناح رايته ، وهو على كتد دابّته « 4 » ، واستركب جيش الإسلام ترحيبا بوفادته ، وتنويها بمجادته ، وأثبت في غرض الإمارة النصرية سهم سعادته ، رأى أن يزيده من عنايته ضروبا وأجناسا ، ويتبع أثره ناسا فناسا ، قد اختلفوا لسانا ولباسا ، وأنفقوا « 5 » ابتغاء لمرضاة اللّه والتماسا ، ممّن كرم انتماؤه ، وزيّنت بالحسب العلي « 6 » سماؤه ، وعرف غناؤه ، وتأسّس على المجادة بناؤه ، حتى لا يدع من العناية فنّا إلّا وجلبه إليه ، ولا مقادة فخر إلّا جعلها في يديه ، ولا حلّة عزّ إلّا أضفى ملابسها عليه . وكان « 7 » جيش الإسلام في هذه البلاد الأندلسية - أمّن اللّه سبحانه خلالها ، وسكن زلزالها ، وصدق في رحمة اللّه تعالى التي وسعت كل شيء آمالها ! - كلف همّته ومرعى ذمّته ، وميدان اجتهاده ، ومتعلّق أمل جهاده ، ومعراج إرادته ، إلى تحصيل سعادته ، وسبيل خلاله ، إلى بلوغ كماله ، فلم يدع له علّة إلّا أزاحها ، ولا طلبة إلّا أجال قداحها ، ولا عزيمة إلّا أورى اقتداحها ، ولا رغبة إلّا فسح ساحها ، آخذا مدوّنته بالتهذيب ، ومصافّه بالترتيب ، وآماله بالتقريب ، محسنا في تلقّي الغريب ، وتأنيس المريب ، مستنجزا له وبه وعد النصر العزيز والفتح القريب ، ورفع عنه لهذا العهد نظر من حكّم الأغراض في حماته ، واستشعر عروق الخسائف لتشذيب كماته ، واشتغل عن حسن الوساطة لهم بمصلحة ذاته ، وجلب جباته ، وتثمير ماله وتوفير أقواته ، ذاهبا أقصى مذاهب التعمير بأمد حياته ، فانفرج الضيق ، وخلص إلى حسن نظره الطريق ، وساغ الريق ، ورضى الفريق ، رأى - واللّه الكفيل لنجح رأيه ، وشكر سعيه ، وصلة حفظه ورعيه - أن يجهد لهم اختياره ، ويحسن لديهم آثاره ، ويستنيب فيما بينه وبين سيوف جهاده ، وأبطال خلاده ، وحماة
--> ( 1 ) افتراع هضاب : أراد به صعود الهضبة . ( 2 ) الأود : العوج . ( 3 ) الآلاء : جمع إلى وهي النعم . ( 4 ) كتد : مجتمع الكتفين . ( 5 ) في ب « واتفقوا » . ( 6 ) في ب « بالحسب العد » . ( 7 ) في ب « ولما كان » .